ابن الجوزي
50
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
وجدك قد نهيت عن ذلك ، ووقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم ، فإن جاء ذلك الرجل يبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك ، فإن صرخ بين يديك ضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره ، وأنت تنظر فلا تنكر ولا تغيّر ، فما بقاء الإسلام وأهله على هذا ، وقد كانت بنو أميّة وكانت العرب لا ينتهي إليهم مظلوم إلا رفعت مظلمته ، ولقد كان الرجل يأتي من أقصى الأرض حتى يبلغ سلطانهم فينادي : يا أهل الإسلام . فيبتدرونه : مالك مالك . فيرفعون مظلمته إلى سلطانهم فينتصف له . وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى أرض الصين وبها ملك ، فقدمتها مرة وقد ذهب سمع ملكهم ، فجعل يبكى ، فقال له وزراؤه : مالك تبكي لا بكت عيناك ؟ فقال : أما إني لست 23 / ب أبكي على المصيبة إذ نزلت بي ، ولكن المظلوم بالباب / يصرخ فلا أسمع صوته ، وقال : أما إن كان ذهب سمعي فإنّ بصري لم يذهب ، نادوا في الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلَّا مظلوم . فكان يركب الفيل في طرفي النهار ، هل يرى مظلوما فينصفه . هذا يا أمير المؤمنين مشرك باللَّه قد غلبت رأفته بالمشركين ورقته على شح نفسه في ملكه ، وأنت مؤمن باللَّه عز وجل ، وابن عم نبيه صلَّى الله عليه وسلَّم ، ألا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك ! ؟ فإنك لا تجمع الأموال إلا لواحد من ثلاث : إن قلت أجمعها لولدي فقد أراك الله عبرا في الطفل الصغير يسقط من بطن أمه وماله على الأرض مال ، وما من مال إلا ومن دونه يد شحيحة تحويه ، فلا يزال الله يلطف بذلك الطفل الصغير حتى تعظم رغبة الناس إليه ، ولست بالذي تعطي ، بل الله يعطي من يشاء ما يشاء . وإن قلت أجمع المال ليشتد سلطاني فقد أراك الله عز وجل عبرا فيمن كان قبلك ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة ، وما أعدوا من السلاح والكراع ما ضرك ، وولد أبيك ما كنت فيه من الضعف حين أراد الله عز وجل بكم ما أراد ، وإن قلت أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها ، فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح . يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل ؟ قال : لا . قال : فكيف تصنع بالملك الَّذي خوّلك ما أنت فيه من ملك الدنيا ، وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل ، ولكن يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم ، وهو الَّذي يرى منك ما عقد عليه قلبك [ 1 ] ، وأضمرته جوارحك ، فما تقول إذا انتزع ملك الدنيا من يدك ، ودعاك إلى الحساب ؟ هل يفي عنك ما كنت فيه شيئا ؟
--> [ 1 ] في ت : « عليه قلبه » وما أثبتناه من الأصل .